محمد بن علي الشوكاني

4929

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

الشِّفا ( 1 ) عن الإمام المؤيَّد بالله أنه قال : أجمع الصحابةُ على القول بالعول ، ولم يخالِفْ في ذلك إلا ابنُ عباس ، فانظُر أين يقعَ ابنُ عباس - رحمه الله - من جميع الصحابةِ ، وأين يقع قوله منفردًا من قول جميعِهم ! ومع هذا فهاهنا دليلٌ يصلح للتعويلِ ، وهو حديث ابن عباس الصحيحُ المتفقُ ( 2 ) عليه بلفظ أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأول رجلٍ ذكرٍ " فإن من تأمل هذه الحديث حقَّ التأمُّلِ وجدَ فيه ما يرد على ابن عباس النافي للعولِ ، وعلى سائرِ القائلينَ بقوله ، فإن المرادَ بالفرائضِ المذكورةِ في الحديثِ هي الأنصباءُ المقدَّرةُ ( 3 ) ، وأهلها هم المستحقون لها بالنصِّ . هكذا فسَّر الحديثَ المحققونَ من شرَّاحِ كتب الحديث . قالوا : والحديثُ يدل على أنَّ الباقي بعد استفياء أهل الفروضِ المقدرةِ لفروضِهم يكون لأقربَ العصَبَاتِ من الرجال ولا [ 10 ب ] يشاركُه من هو أبعدُ منه ( 4 ) . وقد حكى النووي ( 5 ) الإجماعَ على ذلك ، فعرفتَ أن استيفاءَ أهل الفروض المقدرةِ لفروضِهم لا يكون إلا بإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه أما مع عدم المزاحمةِ بالعول فظاهرٌ ، وأما مع المزاحمةِ بالعول فلا يحصلُ العملُ بالحديثِ إلا بإعطاءِ كلِّ وارثٍ في تلك الفريضة بمقدارِ فَرْضِهِ من التركةِ ، وتعول المسألةُ بخلافِ إسقاطِ بعض ميراثِ أهلِ الفروضِ المقدرةِ أو كلِّه ، فإنه لم يحصل العملُ فيه بالحديثِ لأنه لم يقع إلحاقُ الفرائضِ بأهلها . وقد اعترف الجلالُ في ضوء النهار ( 6 ) بأن

--> ( 1 ) أي " شفاء الأوام " ( 3 / 471 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) قال الحافظ في " الفتح " ( 12 / 11 ) قوله : " ألحقوا الفرائض بأهلها " المراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى وهي النصفُ ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن . ( 4 ) انظر " فتح الباري " ( 12 / 11 - 12 ) . ( 5 ) في شرحه لصحيح مسلم ( 4 / 49 - 50 ) . ( 6 ) ( 4 / 2643 ) .